تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣ - الركن الثالث في المستعيذ
الركن الثالث في المستعيذ
و اعلم إن القرآن و الأخبار يدلّ على أن كل إنسان يجب عليه أن يستعيذ باللّه فقوله «أعوذ بالله» أمر منه لعباده أن يقولوا ذلك فيدلّ على أنه يجب عليهم ذلك. و لأنه تعالى امر نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلم بالاستعاذة مرّة بعد اخرى فقال قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [٢٣/ ٩٧- ٩٨] و قال: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [١١٣/ ١] و قال: و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [١١٤/ ١] و قال في سورة الأعراف وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [٧/ ٢٠٠] و قال في سورة حم السجدة مثل ذلك [٤١/ ٣٦].
فهذه الآيات دالة على أنه- صلى الله عليه و آله- مأمور بالاستعاذة باللّه سبحانه.
و الأمر بها له أمر بها للأمة إذ لا خصوصية للاستعاذة به صلى الله عليه و آله دون الأمة و لأنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام إنّه قال أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [١١/ ٤٧] و حكى عن يوسف عليه السلام إنّه قال مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [١٢/ ٢٣] و قوله لما قيل له: خذ أحدنا مكانه مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ [١٢/ ٧٩] و حكى عن موسى عليه السلام إنّه لما أمر قومه بذبح البقرة و قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [٢/ ٦٧] و إنه لما خوّفه القوم بالقتل قال إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ [٤٤/ ٢٠] و قال في آية اخرى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ [٤٠/ ٢٧] و حكى إن امّ مريم عليها السلام امرأة عمران قالت: وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [٣/ ٣٦] و إنّ مريم عليها السلام لما رأت جبرئيل عليه السلام في صورة بشر يقصدها في الخلوة قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [١٩/ ١٨] جميع ذلك على وجه المدح و الاستحسان. فهذه الآيات دالة على أن